تجربة العميل
•
٤ شعبان ١٤٤٧ هـ
لماذا ينتظر العميل أكثر مما ينبغي؟
اكتب لكم
مقالات أخرى
في خمسينيات القرن الماضي، قدّم جون ليتل، أستاذ معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، قانونًا بسيط الصياغة واسع التأثير لفهم تدفق العمليات داخل الأنظمة. لم ينطلق هذا القانون من اهتمام بتجربة المستخدم أو مؤشرات الرضا، بل من محاولة تفسير العلاقة الثابتة بين حجم العمل، وسرعة الإنجاز، والزمن المستغرق. تلك العلاقة، التي عُرفت لاحقًا باسم قانون ليتل، كشفت أن الزمن الذي نراه ليس مصادفة، بل نتيجة تصميم.
يربط القانون بين ثلاثة متغيرات أساسية: العمل الجاري داخل النظام، ومعدل التدفق، وزمن التنفيذ. كلما ازداد العمل المتراكم دون توسّع موازٍ في القدرة، تمدّد الزمن تلقائيًا. هذه العلاقة تنطبق حين يعمل النظام في حالة استقرار تشغيلي، أي عندما يكون الدخول والخروج متقاربين دون طفرات حادة أو أحداث استثنائية. لهذا السبب تحديدًا، أصبح القانون أداة فعّالة لفهم العمليات اليومية التي يعيشها العملاء، لا لحظات الذروة العابرة.
يمكن تبسيط الفكرة من خلال مثال ورشة تصليح تحتوي على عشرين جهازًا في قائمة الانتظار، بينما يستطيع الفني إصلاح خمسة أجهزة يوميًا. النتيجة واضحة: آخر عميل سينتظر أربعة أيام قبل استلام جهازه. لا مجال للتخمين هنا، فالعلاقة الحسابية تفرض نفسها ما دامت المدخلات ثابتة. هذه الحتمية هي ما يمنح القانون قوته؛ فهو يشرح الواقع كما هو، دون وعود أو افتراضات.
مع مرور الوقت، تجاوز قانون ليتل حدود نموذج التشغيل ليجد طريقه إلى قطاعات الخدمات والعمل المعرفي. في المستشفيات، استُخدم لتفسير أوقات انتظار المرضى. في مراكز الاتصال، ساعد على تحديد الطاقة التشغيلية المطلوبة لتحقيق أزمنة استجابة مقبولة. في تطوير البرمجيات، أصبح مرجعًا لفهم تراكم الأعمال وتأثيره على مواعيد التسليم. وفي جميع هذه السياقات، ظل العامل المشترك حاضرًا: التجربة التي يعيشها المستخدم انعكاس مباشر لتصميم التدفق.
من هنا تبدأ العلاقة العميقة بين #قانون_ليتل و #تجربة_العميل . فكل شكوى من طول الانتظار تحمل في جوهرها نتيجة حسابية، حتى وإن صيغت بلغة شعورية. الزمن الذي يقضيه العميل داخل النظام هو حاصل قرارات سابقة تتعلق بعدد الطلبات المسموح بدخولها، وسرعة معالجتها، وحدود الطاقة الاستيعابية. وعندما يُعاد تأطير التجربة من هذا المنظور، ينتقل النقاش من سؤال “لماذا العميل غير راضٍ؟” إلى سؤال أكثر جوهرية: كيف صُمم النظام ليستوعب هذا الحجم بهذا الزمن؟
لنفترض مركز اتصال يستقبل خمس مكالمات في الدقيقة، ويستغرق التعامل مع كل مكالمة أربع دقائق. وفق قانون ليتل، سيبقى في النظام في المتوسط عشرون عميلًا في أي لحظة. هذا الرقم يفسّر ارتفاع زمن الانتظار دون الحاجة إلى تفسيرات إضافية. ومع امتداد زمن الانتظار، يرتفع الجهد المبذول من العميل، فيتأثر مؤشر سهولة التعامل، ويتراجع الرضا، ثم ينعكس ذلك على الاستعداد للتوصية. المؤشرات هنا تعمل كمرآة، تعكس أثر التصميم بعد وقوعه.
عندما يُعاد تصميم العملية ويُخفض زمن المعالجة إلى دقيقتين، ينخفض عدد العملاء داخل النظام إلى عشرة فقط. المشهد يتغير بالكامل، رغم ثبات الفريق والخدمة. زمن الانتظار يتقلص، الإحساس بالسهولة يتحسن، الرضا يرتفع، والولاء يبدأ في التعافي. ما تغيّر لم يكن أسلوب الحديث ولا نبرة الموظف، بل عنصر واحد في معادلة التدفق.
المفارقة أن كثيرًا من مبادرات تجربة العميل تنشغل بتعديل السلوك البشري، بينما تترك النظام يعمل عند حدوده القصوى. العميل لا يغادر غاضبًا بسبب نقص اللطف، وإنما لأنه أمضى وقتًا أطول مما يحتمل داخل عملية لم تُصمَّم لاستيعاب هذا الحجم. المشاعر هنا نتيجة، وليست نقطة البداية.
عندما يدرك قادة تجربة العميل هذا المنطق، تتغير طبيعة القرارات. يصبح ضبط العمل الجاري أولوية، ويُنظر إلى زمن الدورة بوصفه وعدًا ضمنيًا للعميل، وتُعاد مواءمة الطاقة التشغيلية مع الطلب الفعلي. في هذه المرحلة، تتحول مؤشرات تجربة العميل إلى أدوات قراءة لما صُمم بوعي، لا محاولات تصحيح متأخرة.
يمكن النظر إلى قانون ليتل بوصفه البوصلة الصامتة لتجربة العميل. لا يمنح حلولًا سريعة، ولا يَعِد بتحسن فوري، لكنه يفرض منطقًا لا يمكن تجاوزه. كل تجربة سلسة يقف خلفها نظام متوازن، وكل تجربة مرهقة تحمل آثار اختلال في التدفق. وعندما يُبنى النظام بوعي، تصبح رحلة العميل نتيجة طبيعية، لا إنجازًا استثنائيًا.
دمتم بود؛
